ابن عجيبة
309
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
دنياكم . . » « 1 » ذكر منها الصلاة ، فهي دنيا لمن كان همه الدنيا ، وهي آخرة لأبناء الآخرة ، وهي صلة ومواصلة لأهل اللّه - عز وجل - ، وإنما سميت الصلاة ؛ لأنها صلة بين اللّه وعبده ، ولا تكون المواصلة إلا لتقى ، ولا يكون التقى إلا خاشعا ، فعند هذا لا يعظم عليه طول القيام ، ولا يكبر عليه الانتهاء عن المنكر ، كما قال اللّه : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ . ه . ثم ذكر ما ينتج عن الصلاة الكاملة والذكر الدائم ، وهو الخلق الجميل ، فوصّى به ، حيث قال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 46 ] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) يقول الحق جل جلاله : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ؛ إلا بالخصلة التي هي أحسن ، أي : ألطف وأرفق ، وهي مقابلة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم ، والمشاغبة بالنصح ، بأن تدعوه إلى اللّه تعالى برفق ولين ، وتبين له الحجج والآيات ، من غير مغالبة ولا قهر . وأصل المجادلة : فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجج ، وأصله : شدة الفتل ، ومنه قيل للصقر : أجدل ؛ لشدة فتل بدنه وقوة خلقه . والآية ؛ قيل : منسوخة بآية السيف « 2 » ، وقيل : نزلت في أهل الذمة . إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، فأفرطوا في الاعتداء والعناد ، ولم يقبلوا النصح ، ولم ينفع فيهم الرفق ، فاستعملوا معهم الغلظة . وقيل : إلا الذين آذوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو : إلا الذين أثبتوا الولد والشريك ، وقالوا : يد اللّه مغلولة . أو معناه : ولا تجادلوا الذين دخلوا في الذمة ، المؤدين للجزية ، إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا : فنبذوا الذمة ، ومنعوا الجزية ، فمجادلتهم بالسيف . والآية تدل على جواز مناظرة الكفرة في الدين ، وعلى جواز تعلم علم الكلام ،
--> ( 1 ) أخرج أحمد في المسند ( 3 / 128 ، 285 ) والنسائي في سننه ( كتاب عشرة النساء 7 / 161 ) والحاكم في المستدرك ( النكاح 2 / 160 ) وصححه على شرط مسلم ، وأقره الذهبي ، وكذلك أخرج أبو يعلى في مسنده ( 6 / 199 - 200 ح 3482 ) كلهم من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « حبب إلىّ من الدنيا : الطيب والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة » قال الحافظ ابن حجر : وليس في شئ من طرقه : لفظ « ثلاث » . انظر الفتح السماوي 1 / 378 وعليه فالرسول لم يجعل الصلاة من أقسام الدنيا بل هي قرة عينه صلى اللّه عليه وسلم وهذه درجة رفيعة فوق الشيئين اللذين حببا إليه من الدنيا ، وهما الطيب والنساء ، فهذا الشيئان ليس قرة عين له صلى اللّه عليه وسلم ، لأنهما من الدنيا ( 2 ) قلت : كل ما هو من مكارم الأخلاق ، لا يجرى عليه النسخ ، فتمسك بهذا الأصل ، فحتى لو قاتلنا أهل الكتاب في جهاد شرعي صحيح ، بشروطه . فتحن مأمورون بالعمل بهذه الآية حين نجادلهم ، إلا من ظلم . . فنعامله بما يستحق حتى يزول ظلمه ، فإن جادلناهم فبالتى هي أحسن أيضا .